بقلم : الخضير قدوري

الخضير قدوري

 

حينما كانت الحكومة تقرر الزيادات وترفع الدعم عن المواد الأساسية ،وتزيد في الأجور السامية ،وتكمم أفواه الطبقات الكادحة بالوعود الزائفة ،ثم تمرر القوانين الإذعانية في صمت وتحسبها ذكية وهذه الأخيرة غبية ، فما كانت الزيادة في المحروقات وفواتير الماء والكهرباء إلا بعض العناصر المكونة للشحنة الضاغطة ، التي سيتولد عنها الانفجار العنيف .ذلك عندما تبدأ الزيادة الموعودة في بعض المواد الاستهلاكية الأخرى كالسكر والزيت وغاز البوطان .
وما الوقفات الاحتجاجية لبعض الأفراد المتضررين من هذه الزيادات في مختلف المدن المغربية، التي تحولت خلال أيام قلائل الى مظاهرات سلمية من مئات وآلاف الأسر ، ما هي إلا القطرات التي تكون السيول الجارفة والهبات التي تسبق العاصفة المدمرة ، لولا المبادرة الملكية التي خففت من حدة الوقع نوعا ما تلك المبادرة المزعجة التي قضت مضجع السيد رئيس الحكومة وأيقظته من نومته الهادئة على الساعة السادسة صباحا
رغم ذلك مازالت الأزمة قائمة كجمرة تحت الرماد متقدة وكل التوقعات واردة ، ان كانت حكومتنا الموقرة قد انحدرت من رحم هذا الوطن ومن وسط هذا الشعب، الذي يعتبر من الشعوب التي تتقدم ولا تتأخر في كل شيء ،ويسير الى الأمام كالنهر ويشتعل كالنيران في الغابات الاسترالية ،قد كان من واجب هذه الحكومة في رأيي المتواضع أن تقف عند حدود الشجاعة المسموح بها حتى لا تتحول شجاعتها الى تهور، وان تحدد مستوى ذكائها حتى لا يتحول الى غباوة ، وتعلم ان هذه الزيادات المطردة في المواد الاستهلاكية التي تمس بالقدرة الشرائية للمواطنين من الطبقات الدنيا والأدنى هي مغامرة خطيرة، قد لا يكون لها ما يبررها من الانعكاسات السلبية على الاستقرار، وربما يضر بالسياسة الرشيدة لصاحب الجلالة ،الحارس الأمين على روابط الحب والوفاء التي تربطه بهذا الشعب الذي يكن له كل الاحترام والتقدير
فإذ كان ذلك ما يشجعها للإقدام على مثل هذه المغامرات باعتبارها اصلاحات مفاسد وما يدريها ان كانت مفاسد اصلاحات ،معتمدة في تصحيح المفاهيم على التدخل الملكي في أخر المطاف ،وربما قد يكشف ذلك أيضا عن ضعفها وخذلانها لهذا الشعب الرزين الذي ينصت ويتأمل ويعلم متى يصفق ويتكلم . نتمنى ان لا يصح ما يقال عنها ككونها حكومة يتحكم فيها عن بعد ،لا تقول إلا ما يملى عليها ولا تفعل إلا ما تؤمر به ،وهي لا تملك الرؤيا الواضحة ولا تملك الحكمة والتبصر لإدارة الشأن العام الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ،في إطار نظام ملكي عريق جبل منذ مئات السنين على استتباب الأمن والاستقرار في هذا الوطن الحبيب ، والسهر على ضمان الحرية والعيش الكريم لهذا الشعب العظيم ،الذي يكن له الحب والإخلاص والطاعة والوفاء المتين
فإذا كانت هذه الحكومة تنتشي بنشوة الفوز في الانتخابات الجماعية الأخيرة بأغلبية أصوات الناخبين والناخبات ،ممن توقع على مسامعهم منذ سنوات أنغاما وموشحات مازالت مجرد وعود لم تتحقق ،والتزامات بقيت حبرا على ورق ، قد يخاف عليها من نقضها للعهد وإخلافها للوعد وخيانتها للود ، فما المنح الشهرية الموعود بها الطلبة الذين لم يتجاوز عددهم 1/35 والمنح الشهرية الموعود بها الأرامل اللائي لم يتجاوز عددهن أيضا 1/35 كل ذلك قد لا يعادل نسبة الزيادات المترتبة عن الماء والكهرباء وغاز البوطان ، والزيادات التلقائية في المواد الاستهلاكية اليومية الناجمة عن الزيادة المتكررة في أسعار المحروقات مرات متعددة بعشرات السنتات ولعدة أسابيع، ومرة واحدة انخفاضها بسنتات معدودة لبعض الأيام القليلة ، رغم استقرار سعر البرميل في الأسواق العالمية منذ شهور عديدة ، ما يجعلنا نتساءل كما يتساءل المغاربة بصفة عامة عن مدى مصداقية نظام المقايسة ،وتعهدات الحكومة ومآل عائدات صندوق المقاصة ،ام تكون هذه الزيادات في الأجور السامية للمدراء والبرلمانيين والوزراء وغيرهم ،والعلاوات والتعويضات للسفريات وتنظيم السهرات أولى وأولى وفي مقدمة الأولويات؟ أم أصبحت عائدات هذا الصندوق مخصصة لدعم هذه الاجور من حساب الزيادات في المواد الأساسية المفروضة على الفقراء، ولا يجد هؤلاء من العدل في شيء بالزيادة في أسعار هذه المواد المستهلكة من طرف الطبقة السفلى ، من اجل الزيادة في رفه الطبقة العليا ؟
فإذا كان سعر الكيلو من الطماطم او البطاطس او السكر، او سعر اللتر من الزيت او المحروقات في الشمال كما في الجنوب ،وفي الشرق كما في الغرب ،قد لا يستهلكه التاجر والوزير بالقدر الذي يستهلكه المياوم والأجير والغني والفقير على حد سواء ، ما حسبت ان مطبخ الوزير والمدير وغيرهما يستهلك غاز البوطان وكمية السكر والبطاطس و الزيت بحجم الكمية التي يستهلكها مطبخ المواطن المياوم، وما حسبت ان هذا الوزير وغيره يؤدون من جيوبهم في محطة الوقود او يستعملون سياراتهم الخاصة وربما حتى فاتورة الماء والكهرباء ،فبأي حق إذن ترفع أجور أقلية الى عشرات ألاف الدراهم مع كل هذه الامتيازات المفرطة على حساب أغلبية لا تؤجر بدرهم واحد ، مع ذلك فهي ملزمة بأداء كل هذه الزيادات .هل بهذا الشكل ينبغي تقسيم الثروات في إطار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، وفي شرع حكومة العدالة والتنمية ؟ ام هي شريعة من يملك تسعا وتسعين نعجة ولأخيه نعجة واحدة ، سؤال محرج الى حد ما لحكومتنا الموقرة وهي غير عاجزة على الجواب، ولكنها مأمورة ومعذورة لو لم تركب المغامرة ،على أي سيبقى الحذر واجبا ،فالماء مغرق، والكهرباء تصعق، والغاز مخنق، و صب الزيت على النار يحرق .