بقلم : الخضير قدوري

التصفية

 

         بل هي وصمة عار على ناصية مدينة تاوريرت ،وفضيحة  في سجل مهندسيها واهانة لمدرسيها ونقطة سوداء في منهج سيرة كل المسئولين في عاصمة الإقليم ،وبؤرة خبيثة قد تبرر هجرة السكان لمساكنهم ،وتولية الأدبار لمدينتهم ، حقا عليهم تركها كمحمية دون حام ،ومأوى ذئاب تكدر صفو الحياة فيها

     وإذا كان من الهم ما يضحك ،فقد يضحك المجانين من دراسة بعض المدرسين ويسخر التلاميذ من هندسة بعض المهندسين، وقد يجن العقلاء من خطط بعض المتمدنين ،ويندبون لأفكار بعض المتحضرين .وبالتالي قلما سيملكون أعصابهم تجاه مناولة  المدبرين للشأن المحلي في هذه المدينة ،التي لا تتوفر على أدنى مواصفات التمدن  وابعد ما تكون من سمات التحضر ، فإذا كانت بعض المشاريع المنجزة فيها ،إلا من اجل إضفاء مسحة تمدن وتحضر عليها وهما منها براء ، وان كان ردم  وتخريب بعضها خير دليل ، وإلغاء بعضها والتخلي عن الأخر درءا لفضائح التسيير وسوء التدبير، وإخفاء للفساد ولهدر الأموال وتمرير الصفقات ،فان فضيحة محطة تصفية المياه العادمة المتواجدة في غرب المدينة لا يمكن بأي حال من الأحوال إخفاء مساوئها بتحويل الرياح الغربية والجنوبية  التي تحمل إلى أجواء المدينة روائحها الملوثة للبيئة ،والتي لا تمنعها النوافذ ولا الأبواب المغلقة من تخطيها إلى أعماق  كل بيت في كل منزل ،ومن ثم إلى أقصى الشعب الرئوية في جسم كل إنسان ،لست ادري إن كان هذا التلوث في شرع المهتمين بحماية البيئة والمسئولين عامة غير مضر بالصحة ؟ ولهذه الفضيحة ما يبررها ،أم كانت المكيفات قد تغنيهم إلى حين عن التفكير في معالجة هذه الآفة ، أفئن كان الله قد احرمهم حاسة الشم  فلا رحم من انعم عليهم ولا أبقى عليها من بعد رحيلهم دابة ولياتي الطوفان  

   وإذا كان حماة البيئة غافلين أو متغافلين،ومحاربو التلوث عاجزين أو متقهقرين، فلا أيقض الله ضمير الأولين ،ولا أيد بنصره الآخرين ،وليس بين هؤلاء وأولئك ما يفضل بعضهم على بعض، كمتضررين وكمسئولين وكمساءلين على حد سواء كلنا نقتسم هذا الفضاء قسمة عادلة إلا من خلق شاذا أو دون حس وضمير  ، فإذا كانت هذه المحطة تشكل وصمة عار على جبين المدينة لا يمكن محوها و إزالتها، أو نقلها و إبعادها ،وهي أشبه ما تكون بحمل غير شرعي في رحمها ،فلم تجد بدا من إجهاضه أو التخلص منه بأية وسيلة ،كان أولى بال بيتها أن يعملوا على درء الفضيحة بسترها  وإخفائها، على الأقل  للحد من انتشار خبرها ،أو انتشار روائحها التي تقف في وجه  كل وافد على هذه المدينة من جهاتها الأربعة ،حتى لا تكون لعنة تطاردها ونحن فيها أينما حلت وارتحلت وحجة عليها ليس لها ما يفندها ومن ينكر منكرا فهو شيطان اخرس   

     غير بعيد من هذا المستنقع الآسن تقع مصحة الرحمة الوحيدة ،التي ستستقبل مرضى ضيق التنفس والحساسيات بأنواعها ، والفندق المصنف الذي يأوي ضيوفا قد يتوافدون عليه ليلا  من كل صوب ،وقاعة الحفلات التي تجلب إليها العرسان ،وقصرا لمحكمة الابتدائية ومركب التكوين اللوجستيكي ومشروع مؤسسة تعليمية ومركب ثقافي او علمي ومحطة طرقية وهلم جرا،كلها منجزات قد تستقطب الزوار والضيوف والسياح وتعرف بموقع المدينة  وتعمل على تنميتها حيث كان التفكير في إنشاء مسبح عمومي كمكمل لهذه المرافق ضروريا وبديلا من هذه الحامة المنتنة ،التي تشكل خالا لا يضفي جمالا على خد من تسمى المدينة الجديدة ،المحاطة بهالات ما يسمى تجزئات الياسمين والنسيم ، وهي أسماء ابعد ما تكون من رقة النسيم وعطر الياسمين

   فهل يفطن المسئولون إلى الأثر السلبي الذي تعكسه هذه المحطة على صحة سكان هذه المدينة ؟ وهل يفهم المدبرون لشانها المحلي مدى انعكاسها على عرقلة الاستثمار فيها ؟ ويدرك المسيرون لأمورها سوء الانطباع الذي تخص به زوارها ؟ عشرات الأسئلة تعقبها مئات  الأجوبة وتقف بعدها ألاف علامة استفهام محيرة .

       فان كانت الأذان عن صراخنا  في صمم ، واعين الرقابة  عما نصف في تغاض وتعام ،وهي عاجزة  عن رصد مجريات الأقلام ، فان للإعلام عيونا وأذانا وذاكرة لا تغفل ولا تنام ، وقد يجف القلم يوما لكن حبره سيبقى على سجلات التاريخ  ،وقد يسكت اللسان فيغدو صداه  ويروح متنقلا بين  فم وفم ،الى ان يصل يوما الى من سيراقب ويحاسب ثم يعاقب ، وقد يكون إنسانا وقد يكون زمانا وقد يكون الله  .

      فهل سينتظر من  له القدرة على رفع الضرر الى حين الزيارة الثانية لصاحب الجلالة ،ويتمنى السكان ان تنوب عنهم الرياح الأربعة في ترجمة مطلبهم الرامي الى ردم  هذا المستنقع الملوث لبيئتهم ، والذي يؤرقهم ويقض مضاجعهم في غياب ممثلين عنهم ،وبدلا ممن نسميهم نوابا ومسئولين وكل إليهم أمرهم .ام كانت براميل السوائل المعطرة التي ستسكب حينئذ في الحوض كافية لإخفاء الروائح الكريهة ،وقادرة على تحويل هبوب الرياح والحيلولة دون إيصال هذه الرسالة الى من بين يديه قمطر الأزرار. الى متى تبقى هذه الآليات تنتظر هزة كهربائية لتتحرك فتقوم بمهمتها ،الى متى يبقى الشعب ينتظر صاحب الجلالة ليضغط على زر آلة  تحكم عن بعد فيعطي الأمر في كل صغيرة وكبيرة،  والى متى سيبقى  الضمير الإنساني خاملا في هذه المدينة او منشغلا بمصالحه الخاصة ،والمدبر للشأن المحلي منهمكا في المتاهات وعدم  اللامبالاة حتى تأتيهم جميعا الهزة على حين غرة ،والى أن تصيبهم الغضبة بصدمة قد تطيح بمعظمهم كأعجاز نخل خاوية ، هذه فضائح  تنكشف تباعا لا غبار عليها ،فالهزات على أثرها آتية لا محيد عنها ،والغضبات الثائرة واردة لا ريب فيها  ، والصدمات العنيفة متوقعة لابد منها ، وقد تبقى الوقاية في تصوري أفضل من علاج لاينفع  ودمع لا يشفع، ولا يجدي من التشفي ،انه حال ليس أسوا منه لو كانوا يعقلون .