تاوريرت بريس:

حيرة

 

 

    مساكين . أصدقائي البؤساء وإخواني المجانين

     ” ع ب ” ذاك البائس الذي يسعى باكيا  وراء خبزته الملعونة وهي تتدحرج بعيدا إلى أن غابت عنه في منحدر سحيق ، و ” ب س ” ذاك المجنون الذي يجلس القرفصاء متأملا في حزن صرح أمله وهو ينهار فتتعالى أمام عينيه غبرته القاتمة  لتحجب عن ناظريه الأفاق وأما ” خ ق ” وهو المجنون الذي جن منذ عشرات السنين ،وقد طاردته الأيام قبل أن يحاصره الزمن بين حقائقه وخواطره ،ثم قيد  معصميه وكسر قوائمه. فلم يعد يقوى على الحركة دون أن تنفعه الدموع التي تمزق جفنيه، أو يشفع له الحرمان الذي يملا عينيه ،عند من يمكنه أن يمن عليه  بوصال أناس قد يفهمون سر دموعه، عساهم يحولون دون  الزج به في غيابات الحداثة السياسية ،التي تقف دونها الإبداعات الثقافية مكتوفة الأيدي فتغلق بعده الأبواب كالدفين ،ثم طارت روحه صحبة أرواح هائمة ،في عوالم لا منتهية آكلة  جسده إلى وحدته هامدا في ركن ضيق ، ليأس يجالسه ولملل يضاجعه

    وأما ” ب م ” ذاك المجنون ألأخير الذي  جاء من مدينة ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، مرورا بالسودان واليمن  وقد ضاع بين أدغال أفريقيا وصحاريها، باحثا عن شيء لا يعرفه. وقد ضل عن سبيله إلى جنة عدن التي ينشدها ، مساكين والله هؤلاء البؤساء والمجانين المعذبين في هذه الأرض ،التائهين في سهولها و أوعارها ، والتي ليس فيها من يحس ببؤسهم ومعاناتهم أو يفهم سر جنونهم فيرحمهم  في أرضهم ليرحمه من في سمائهم ، إنهم شموع  تحترق ذبالاتها ويذوب أذيبها وليس ثم من يقيها شر الأهواء التي تريد أن تخطف أنوارها فتتركهم إلى عتمة تعمي أبصارهم . وحقيقة هذه الشموع ما خلقت إلا لتدفع الظلام عن مجالس أهلها إذ ما  رغبوا في حمايتها من الأهواء التي تهاجمها من كل صوب وتحيطها من كل جانب، وهي لا تريد بذلك سوى أن يبقى هذا الظلام مخيما على مجالسهم ، لكن أهل هذه الأرض قد يفضلون السمر وحياة التيه والضياع تحت ستر ظلام الجهل الذي فيه يعمهون، ليزيدوا مجانينهم  بؤسا وجنونا ويزدادوا ظلما وعدوانا على أنفسهم وهم لا يعلمون ،أن سر وجودهم على هذه الأرض هو عكس ما يضنون ،وما خلقوا  ليأكلوا ويشربوا كشر الدواب عليها صم لا يسمعون وبكم لا ينطقون وعمي لا يبصرون

  فتعالوا يا إخواني المجانين  لنمزج بين الحقائق والخواطر، ونمسح الدموع من عيون الحرمان، ونفك المعاصم  ونكسر القيود التي تربط القوائم، ونفرض التحديث السياسي الرافض للإبداع الثقافي ،ثم نطلق العنان لأرواحنا الهائمة لتجوب العوالم بكل حرية .

   تعالوا لنجلس تحت صرح يجمعنا في ضله، فنقتسم رغيف الخبزة الملعونة ونحمد الله على ما أفاء علينا أو نترك الأرض لأهلها ونبحث عن ذوات في ارض الله الواسعة  .