بقلم : الخضير قدوري 

الخضير قدوري

 

في غمار الحملة الانتخابية الجماعية والجهوية التي ستجري يوم الجمعة رابع شتنبر المقبل، كادت أحزابنا الوطنية والحكومة على حد سواء أن تتفق بالإجماع حول صياغة شعار واحد يوحي لكل مواطن وللشعب قاطبة بموحيات تلقي إليهم بكل التهم التي قد يزكيها الخطاب الملكي الأخير، الذي يعتبر مقاطعة الانتخابات وعزوف المغاربة على التصويت هو مسئولية الأحزاب بالدرجة الأولى، ونتيجة الاختيار السيئ للناخبين هو ذنب قد لا يقبل توبة تائب ولا شفاعة متشفع ولا يستحق الغفران ،من اجله قد ركز صاحب الجلالة في خطابه الأخير الموجه إلى شعبه الوفي على ضرورة اختياره من يفون له بوعودهم ويصدقون عهودهم ولا يخيبون أماله في شيء ، وفي حال غير ذلك سوف لن تنفعه الشكوى والتوجع ، ولا يجديه الندم والدموع وليس لديه ما يبرر فساده .
الخطاب الملكي كان واضح الكلمة وضوح الشمس ، جلي المعنى جلاء البدر، مفهوم الغاية والقصد لا لبس ولا التباس . وليس فيه ما يدعو إلى بذل أي جهد فكري في التحليل والتأويل .الخطاب الملكي سيجعل هذا الشعب يوم رابع شتنبر المقبل أمام مسئوليته كحاكم وكمتهم في نفس الوقت ، مصداقا لقوله تعالى : ” .. … إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ” .
ولما أصبح من ألمحتم على هذا الشعب أن يحدد موقفا حاسما يتوافق مع مضامين خطاب صاحب الجلالة وإرادته الرامية إلى ضرورة العمل بالحزم من اجل ردم بؤر الفساد المتفشي في المجتمع المغربي شعبا وحكومة وأحزابا وكلهم يلقون بالتهم إلى مرامي بعضهم . ليبقى السؤال المطروح ، عمن هو الفاسد وعن مكامن الفساد في هذا الوطن ، ذلك حينما تقول الحكومة بأنها قد جاءت لتحارب المفسدين ، فيرد احد الأحزاب بان الحكومة هي تتواطأ مع المفسدين ، ويقول الأخر نطالب بالقطع مع المفسدين ، ويقول الأخر إننا نناضل للقضاء على المفسدين ، ويقول الأخر نحن نعمل على التصدي للمفسدين ، ثم يقول الأخير وليس الأخير سنقطع الطريق على المفسدين . كلهم يحملون على الفساد والمفسدين إلا أن هؤلاء الآخرين مازالوا صائلين جائلين متهكمين من القوالين السياسيين غير مبالين بشعاراتهم الرنانة باعتبارهم مجرد ببغاوات ، لكن السؤال المحير يبقى دائما فمن يكونون هؤلاء المفسدون الذين أجمعت كل هذه المؤسسات على اتهامهم بالفساد إن لم يكونوا منهم وفيهم ومن بينهم ، بالطبع سيكونون من فئات هذا الشعب الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من قفص الاتهام .
وحينما كنت أمعن النظر وأعمق التفكير في معاني هذه الشعارات التي وجدتها من حيث الشكل ترمي إلى هدف واحد، ومن حيث المضمون يبدو كأن من تعنيهم هذه المؤسسات وتنعتهم بالمفسدين هم أفراد هذا الشعب ، وهم الناخبون والمصوتون الذين لا يحسنون اختيار ممثليهم ، ولا يخلصون للوطن في انتقائهم ولما جاء الخطاب الملكي ليفصل الخصام ويجعل كل المتهمين أبرياء ما لم تثبت إدانتهم ، ويعطي للشعب فرصة ثمينة حتى يمكنه أن يدفع عن نفسه التهم الموجهة إليه ، واضعا بين يديه زمام الأمر لاختيار من يحاربون الفساد والمفسدين في هذا البلد بحق وصدق وإيمان ، وكمن يقال له هات برهانك إن كنت صادقا ، حتى وان كانت جل اللوائح لا تتضمن من يروقونك وهم ليسوا في مستوى اختياراتك ثقافيا ولا اجتماعيا ولا أخلاقيا ولا سياسيا ، وليس لهذه الأحزاب عامة أي بديل وتلك بضاعتهم ومنتجاتهم تملأ رحاب أسواق النخاسة ، وان كان من المعلوم ليس للمبضعين أو الناخبين من اختيار ثالث ولكن كيفما كان الحال ستكون أصواتهم الملغاة من أصوات الفئات الساخطة أو الناقمة المعبرة إلى حد ما عن عدم رضاها بالوضع السائد ، كما يكون تسجيل الحضور حجة للحضور وليس عليهم وأفضل بكثير من غياب يمنح الفرصة لمن قد يتاجرون بحقوقهم نيابة عنهم ، أرى للخطاب الملكي قراءات متعددة تنصب في اتجاه واحد ، وهي واضحة المعنى جلية الفائدة إلا من أراد أن يستبلد ويستغبى، وربما تكون هذه الانتخابات في ظل الخطاب الملكي بمثابة شبهة من الشبهات التي قد يدرا بها الشعب الأحكام ،ويدفع عنه تهم الفساد التي تلصق به ، والإفساد الذي يعلق بأذياله . ترى هل يكون هذا الشعب بسوء اختياره مفسدا أم بحسن اختياره مصلحا حقا ، أم تكون الحكومة وهذه الأحزاب على صواب مما تدعيه بخصوص هذا الشعب الذي تلقي بكل ذنوبها إلى ساحته ، وإنها بالفعل تتخندق في خندق واحد لتحارب وتناهض وتقاوم المفسدين بإشارة واضحة إلى فئاته ، ترى وهل سيكشف الشعب بواسطة هذه الانتخابات عن المفسدين الحقيقيين ويبرئ ذمم الآخرين ، أم سيظل التغيير المنشود كلمة مباحة قيد الصحف وموائد المقاهي ، والفساد كرة مضرب تتقاذفها مضارب الفئات السياسية والشعبية والحكومية ليبقى هذا البلد مرتعا للفاسدين والمفسدين من كل طبقاتهم إلى حين من الدهر لن يحين ولو بعد مئات السنين ؟ و أما السؤال الأهم من المهم هو إن كان هذا الشعب يريد الحياة ويستعد لاستجابة القدر، في هذه الحالة ينبغي أن يهيئ الأرضية ويؤسس القاعدة وبعد ذلك يعطي لنفسه الانطلاقة لنهضة شمولية وما دون ذلك يبقى من العبث واللعب واللهو ليس إلا .